فخر الدين الرازي

211

تفسير الرازي

الخمسة ، فبقي أنه نوع آخر من التقدم يغاير هذه الأقسام الخمسة ، فأما كيفية ذلك التقدم فليس عند العقل منها خبر ، لأن كل ما يخطر ببال العقل فإنه لا بد وأن يقترن به حال من الزمان ، وقد دل الدليل على أن كل ذلك محال ، فإذن كونه تعالى أولاً معلوم على سبيل الإجمال ، فأما على سبيل التفصيل والإحاطة بحقيقة تلك الأولية ، فليس عند عقول الخلق منه أثر . النوع الثاني : من هذا غوامض الموضع ، وهو أن الأزل متقدم على اللا يزال ، وليس الأزل شيئاً سوى الحق ، فتقدم الأزل على اللا يزال ، يستدعي الامتياز بين الأزل وبين اللا يزال ، فهذا يقتضي أن يكون اللا يزال له مبدأ وطرف ، حتى يحصل هذا الامتياز ، لكن فرض هذا الطرف محال ، لأن كل مبدأ فرضته ، فإن اللايزال ، كان حاصلاً قبله ، لأن المبدأ الذي يفرض قبل ذلك الطرف المفروض بزيادة مائة سنة ، يكون من جملة اللايزال ، لا من جملة الأزل ، فقد كان معنى اللايزال موجوداً قبل أن كان موجوداً وذلك محال . النوع الثالث : من غوامض هذا الموضوع ، أن امتياز الأزل عن اللا يزال ، يستدعي انقضاء حقيقة الأزل ، وانقضاء حقيقة الأزل محال ، لأن مالا أول له يمتنع انقضاؤه ، وإذا امتنع انقضاؤه امتنع أن يحصل عقيبه ماهية اللا يزال ، فإذن يمتنع امتياز الأزل عن اللا يزال ، وامتياز اللا يزال عن الأزال ، وإذا امتنع حصول هذا الامتياز امتنع حصول التقدم والتأخر ، فهذه أبحاث غامضة في حقيقة التقدم والأولية والأزلية ، وما هي إلا بسبب حيرة العقول البشرية في نور جلال ماهية الأزلية والأولية ، فإن العقل إنما يعرف الشيء إذا أحاط به ، وكل ما استحضره العقل ، ووقف عليه فذاك يصير محاطاً به ، والمحاط يكون متناهياً ، والأزلية تكون خارجة عنه ، فهو سبحانه ظاهر باطن في كونه أولاً ، لأن العقول شاهدة بإسناد المحدثات إلى موجد متقدم عليها فكونه تعالى أولاً أظهر من كل ظاهر من هذه الجهة ، ثم إذا أردت أن تعرف حقيقة تلك الأولية عجزت لأن كل ما أحاط به عقلك وعلمك فهو محدود عقلك ومحاط علمك فيكون متناهياً ، فتكون الأولية خارجة عنا ، فكونه تعالى أولاً إذا اعتبرته من هذه الجهة كان أبطن من كل باطن ، فهذا هو البحث عن كونه تعالى أولاً . أما البحث عن كونه آخراً ، فمن الناس من قال : هذا محال ، لأنه تعالى إنما يكون آخر الكل ما عداه ، لو بقي هو مع عدم كل ما عداه لكن عدم ما عداه إنما يكون بعد وجوده ، وتلك البعدية ، زمانية ، فإذن لا يمكن فرض عدم كل عداه إلا مع وجود الزمان الذي به تتحقق تلك البعدية ، فإذن حال ما فرض عدم كل ما عداه ، أن لا يعدم كل ما عداه ، فهذا خلف ، فإذن فرض بقائه مع عدم كل ما عداه محال ، وهذه الشبهة مبنية أيضاً على أن التقدم والتأخر لا يتقرران إلا بالزمان ، وقد دللنا على فساد هذه المقدمة فبطلت هذه الشبهة ، وأما الذين سلموا إمكان عدم كل ما عداه مع بقائه ، فمنهم من أوجب ذلك حتى يتقرر كونه تعالى آخراً للكل ، وهذا مذهب جهم ، فإنه زعم أنه